صحة

محاربة كورونا وضرورة التصدي للشائعات

نواكشوط ,  20/01/2021
لم يعتبر حديث طبيب العيون الصيني "لي وين ليانغ" في أواخر ديسمبر من سنة 2019 عن خطر انتشار مرض خطير غامض في مدينة "ووهان" بإقليم "هوبي" الصيني ذا أهمية بالغة، مثلما هو حاصل الآن بعد ما حصد هذا المرض، الذي عرف فيما بعد بفيروس كورونا المستجد أو "كوفيد-19" من ضحايا، كان من أولها مكتشف المرض نفسه.

بزوغ الشائعات مع ظهور الفيروس

وقد اعتبر البعض، في بداية الأمر، أن الموضوع يدخل ضمن نشر شائعات قد تثير الرعب والمخاوف بين صفوف السكان وقد تنعكس سلبا على حياتهم، خصوصا وأن احتمال انتشار الفيروس قد يكون ناجما عن انتقاله جراء الاحتكاك ببعض الحيوانات كالخفافيش والثعابين... التي كانت محل بيع في سوق للأطعمة البحرية في مدينة "ووهان".

وبعد انتشار الفيروس عبر العالم انتشار النار في الهشيم وظهور تأثيره الكارثي على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وما خلفه من ضغوط على المنظومة الصحية لبلدان المعمورة، سواء المتقدم منها أو السائر في طريق النمو، تولدت لدى شعوب العالم وقادته مخاوف حقيقية من النتائج السلبية المتوقعة جراء انتشار وباء من هذا الحجم.

تنوع الشائعات بتنوع مصادرها

وهكذا صاحب الانتشار السريع للوباء سيل جارف من الشائعات المضللة والمعيقة أحيانا كثيرة في التصدي له. واختلفت هذه الشائعات في حدتها وتنوع مصادرها، حيث وصل بعضها إلى التشكيك في وجود الفيروس من أصله باعتباره خدعة بينما اعتبره البعض الآخر حربا بيولوجية بين الكبار أو مؤامرة تحاك لأغراض معينة في حين تحصد فيه الجائحة الأرواح في جميع مناطق العالم.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومات وبعض هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الرسمية لتوعية الناس بشأن خطورة الوباء وتشجيعهم على الالتزام بوسائل الوقاية والإجراءات الاحترازية التي اعتبرت لحد الساعة أنجع وسيلة للحد من انتشاره، تلقي الأخبار الكاذبة والشائعات المضللة بظلالها على المشهد عبر وسائط الاتصال المختلفة لخلق رأي مستخف بالفيروس وخطورته، مما ساهم أحيانا كثيرة في التأثير بشكل سلبي على الجهود المبذولة لمكافحة المرض الفتاك.

وموازاة مع التفشي الذي أصبح واقعا ملموسا للفيروس عبر العالم واستنفار البلدان وأجهزتها المتخصصة لمواجهته، ازداد انتشار ظاهرة الشائعات السلبية لتساهم في مزيد من إثارة الهلع وإحداث البلبلة والحيرة والقلق بين الكثير من أفراد المجتمع، خاصة الذين لا يستطيعون التحليل المنطقي ولا التمييز بين الخطأ والصواب.

حضور شبكات التواصل الاجتماعي

ففي حين تواجه المعلومات الموثوقة والرسمية صعوبة في تلبية الطلب للرد على أسئلة كثيرة، تتمتع الحسابات الفردية ومنافذ الأخبار البديلة بقدرة كبيرة على زعزعة الثقة في المعلومات العلمية الدقيقة عن طريق سيل الأخبار والمعلومات الزائفة التي تجتاح في اللحظة تلو الأخرى وسائل التواصل الاجتماعي منذ انتشار الفيروس وإلى اليوم، عبر مقولات مزيفة منسوبة لمسؤولين أو علماء أو أطباء.

الشائعات حسب الأهداف

وتختلف أسباب اختلاق هذه الشائعات تبعا لأهداف وخلفيات مروجيها، حيث يتشكل بعضها نتيجة المزاح أو الهزل في تداول الأخبار بين الناس بينما يستغلها آخرون للتحايل عبر الشبكات الالكترونية مستغلين شح المعلومات الطبية والعلمية الرسمية وخوف الناس وترقبهم لكل جديد بشأن علاج أو لقاح للمرض. إذ أعلنت شركة محرك البحث "غوغل" أن القراصنة يرسلون يوميا ما يقارب 18 مليون رسالة احتيال عبر البريد الإلكتروني لمستخدمي "جي ميل" يرتبط جلها بموضوع كورونا؛ وينتحل هؤلاء القراصنة صفات رسمية للحكومات أو المنظمات الأممية سعيا منهم لإقناع ضحاياهم بتنزيل بعض التطبيقات آو المساهمة في مسابقات للحصول على جوائز نقدية من أجل اختراق حساباتهم أو دعوتهم أحيانا للتبرع لمساعدة المتضررين جراء الجائحة.

وتتنوع المعلومات المغلوطة فتتجاوز "الغرف المظلمة" على الإنترنت وحواسيب المتحايلين لتصدر أحيانا من السياسيين، بقصد أو بغير قصد، حيث أن هناك مثلا من روج لنظرية مؤامرة نشر الفيروس عن طريق شبكة اتصالات الجيل الخامس "5G"، ما أدى إلى إحراق أبراج شبكات اتصالات في بعض الدول، الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية إلى تكذيبها عبر حسابها الرسمي على تويتر.

تعدد طرق نشر الشائعات

وقد تعددت طرق نشر المعلومات المغلوطة بهذا الخصوص تنوع مصادرها، حيث لا تقف هذه المعلومات عند مخترعيها أو ملفقيها بل تتعداهم إلى دوائر عديدة عن طريق الأقارب والأصدقاء أو زلة لسان بعض المشاهير الذين يتابع صفحاتهم ملايين الأشخاص. ويعتبر هؤلاء وسيلة سريعة لنقل الشائعات شأنها شأن المعلومات المغلوطة الصادرة عن أحد العاملين بالدوائر المتخصصة أو القطاع الصحي الذي يعتبر ضمن الصفوف الأمامية لمحاربة الوباء. ومن السهل، في هذه الحالة، على المتلقي التخلي عن فرضية الشك وتحكيم العقل والاستسلام بدل ذلك لتصديق معلومة صادرة عن أشخاص من هذا الحجم.

الترويج لوصفات غير دقيقة

وفي الوقت الذي تسابق فيه الدول والحكومات الزمن من أجل وضع حد لهذا الوباء عبر التشجيع على الالتزام بالإجراءات الاحترازية والبحث الدءوب لاكتشاف لقاح لكبح جماحه، تطالعنا من حين لآخر معلومات مركبة تفيد تارة بأن علاج الفيروس يكمن في وصفة قوامها الثوم والليمون أو استنشاق الماء الساخن والملح أو في التعرض للشمس الحارقة أو درجات حرارة مرتفعة وتارة أخرى تشكك في أهمية الكمامات وجدوائيتها بل وتزعم تسببها بنقص الأكسجين في الدم.

ولم يتوقف سيل الأراجيف والتلفيق عند هذا الحد، بل ساهم نشر العديد من رواد الشبكة العنكبوتية لمقاطع فيديو وصور تسخر من الفيروس عن طريق بث معلومات خاطئة في إثارة الذعر والارتباك بين السكان الذين لم يعد الكثير منهم يميز بين الخطأ والصواب في هذا الإطار، مما جعلهم أكثر عرضة للتلاعب والنصب والاحتيال.

وصاحبت إعداد لقاح أثبتت تجاربه السريرية حمايته لـ 90 بالمائة من الأشخاص من الإصابة بالفيروس حملة شائعات لمناهضته عبر وسائل التواصل الاجتماعي كان آخرها تداول مزاعم بأن اللقاح يخدم خطة هدفها زرع شرائح إلكترونية دقيقة تمكن من تتبع صاحبها وأن لقاح " فايزر" يغير الحمض النووي البشري وأن نسبة 75 بالمائة من المتطوعين في التجربة أصيبوا بآثار جانبية.

التعاطي الرسمي والشائعات

وعلى الرغم من الاحتياطات التي اتخذتها دول عديدة من أجل الحرص على اعتماد الأخبار الموثوقة من مصادرها الحقيقية من خلال قنوات الإعلام الرسمي والتنظيم الدوري والمستمر للمؤتمرات والنقاط الصحفية من أجل توضيح مستجدات وتداعيات انتشار الفيروس ووأد الشائعات وبث روح الطمأنينة المجتمعية، ظل تداول الشائعات والأخبار المفبركة متداولا بشكل لافت، مما أجبر الكثير من الحكومات على سن قوانين رادعة للوقوف في وجه الأخبار المضللة والتصدي لها بقوة وحزم عبر إنزال العقوبات المنصوص عليها على مروجيها.

التعاطي الرسمي الموريتاني مع الفيروس

وكانت بلادنا سباقة في هذا الإطار، حيث سعت السلطات الصحية العمومية إلى نهج أسلوب شفاف في التعاطي مع انتشار الجائحة في البلد بالإعلان الفوري عن الوضعية الصحية الحقيقية والكشف عن الحالات المسجلة وعدد الوفيات عن طريق تنظيم مؤتمر صحفي يومي.
كما سعت السلطات في هذا الإطار إلى الوقوف بحزم وصرامة في وجه الشائعات المضللة عن طريق تتبع ومواجهة ناشري الإشاعات حول الفيروس.

وحرصت اللجنة المكلفة بالتصدي لجائحة كورونا على اطلاع الرأي العام الوطني في كل مرة على حقيقة الأوضاع دون مواربة ولا مبالغة.

وتتنوع أهداف ومآرب مثيري الشائعات تبعا لمبتغاهم النفسي أو المادي أو الاجتماعي أو الاقتصادي حسب محتوى وطبيعة الشائعة التي يتم الترويج لها.

دور المسؤولية الوطنية

ومهما يكن، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية والاجتماعية تتطلب من كل شخص توخي الحذر أثناء نقل الأخبار وتداول المعلومات، خاصة تلك التي قد تثير القلق أو الهلع داخل المجتمع. بل إن بعض المواقف، كما هي الحال بالنسبة لانتشار وباء كورونا منذ ما يزيد على السنة، يفرض الحرص على اعتماد الأخبار الموثوقة من المصادر الرسمية لتجنب نشر الأخبار الزائفة من جهة والتعرض للمساءلة القانونية من ناحية أخرى.

إعداد: أحمد طالب ولد المعلوم
آخر تحديث : 21/01/2021 15:38:45